عبد الملك الجويني
258
الشامل في أصول الدين
الخرق . ثم لو صح ما قالوه في خلل الياقوت ، فهلا صدعت النار الصفيحة العليا ، فإنها لاقتها لا محالة ؟ ثم كذلك تصدعها صفيحة صفيحة ، فبطل ما عول عليه . ثم لو كان ما قالوه سديدا ، لصعب تفكيكه كسرا ، وليس الأمر كذلك . فإنه يكسر بأدنى محاولة ، فبطل ما عولوا عليه من كل وجه . فصل مشتمل على اضطرابات الجبائي وابنه في أحكام التأليف والذي اختلفا فيه خمس مسائل : أولها : أن التأليف هل يدرك ؟ فالذي صار إليه الجبائي أنه مدرك بالبصر ويدرك بحاسة اللمس . وأجاب أبو هاشم بذلك في « البغداديات » وهي مسائل تكلم فيها على نقض مذاهب البغداديين من المعتزلة . واستقر جوابه في كتاب « الأبواب » على أن التأليف غير مدرك . وتمسك الجبائي في نصرة مذهبه بأن قال : نحن نرى الأشكال كافة ونفصل بين بعضها وبعض ، وندرك اختلافها على المنظرة . وليس يرجع ذلك الاختلاف إلا إلى التأليفات ، فدل أنها مدركة . وأجاب عنه أبو هاشم في جوابين : أحدهما أنه قال : اختلاف المناظر يرجع إلى إدراك الجواهر في بعض المحاذيات دون بعض ، وليس يرجع إلى التأليف . والوجه الآخر أنه قال هلا قلت إن المدرك هو المجاورات دون التأليف فإن التأليفات لا تعلم إلا بامتحان صعوبة التفكيك ، وقد بنيت على بعض الأشكال من خرادل متضامنة غير متألفة ، وهذا ما لا فصل فيه . وسنذكر تفصيل مذهبهم في رؤية الأكوان ، وإدراكها بعد فراغنا من أحكام التأليف . ثم استدل أبو هاشم في منع إدراك التأليف بفصلين : أحدهما أنه قال : إذا انضمت اليد من الإنسان إلى لصوق والتصقت به ، فيقوم بكل جزء بين يده واللصوق ، جزء من التأليف . فلو أدرك تأليف اللصوق لأدرك تأليف يده . ومن أمحل المحال عند المعتزلة أن يدرك المدرك نفسه أو شيئا من نفسه ، إذ لا بد من أن يثبت بين المدرك والمدرك ضرب من الاتصال وضرب من الانفصال . وسيأتي تقرير ذلك في الإدراكات ، إن شاء اللّه . والفصل الآخر الذي تمسك به أبو هاشم أن قال : لو أدرك اللامس تأليف الصفحة العليا ، لأدرك تأليف الصفحة الأخرى ، إذ يقوم بكل جزء من الصفحتين تأليف واحد . واعترض الجبائي عليه بما لا محيص له عنه ، فقال : إن لم يبعد انقسام التأليف قياما بجوهرين ، لم يبعد انقسامه إدراكا ليكون مدركا من وجه غير مدرك من وجه .